لماذا يخشى الموظف الموريتاني التقاعد بينما يتطلع إليه غيره؟ عندما يصبح التقاعد عقوبة بدل أن يكون مكافأة

بواسطة عبد الله لبات

في كثير من دول العالم، يبدأ الموظف العد التنازلي للتقاعد بشيء من الحماس. يخطط للسفر، ويخصص وقتًا لأسرته، ويفكر في مشروع صغير أو هواية طالما أجلها بسبب العمل. أما في موريتانيا، فالصورة تبدو معاكسة تمامًا؛ إذ يتعامل عدد كبير من الموظفين مع التقاعد وكأنه حكم بخفض مستوى المعيشة، وليس نهاية طبيعية لمسيرة مهنية طويلة.

هذه المفارقة تستحق التوقف عندها، لأنها لا تتعلق بشخصية الموظف الموريتاني، ولا بحبه المفرط للوظيفة، وإنما تعكس خللاً في البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تسبق التقاعد وتليه.

فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يرفض الموظف التقاعد؟ بل: لماذا أصبح التقاعد في موريتانيا مصدر خوف؟

من الناحية الإدارية، لا خلاف على أن التقاعد ضرورة. فلا يمكن لأي إدارة أن تتطور إذا بقيت المناصب مغلقة لعقود طويلة. تجديد الكفاءات، وإفساح المجال أمام الشباب، وضخ أفكار جديدة، كلها أهداف مشروعة، بل إنها شرط من شروط الإدارة الحديثة. لذلك فإن إحالة الموظفين إلى التقاعد في الوقت المناسب ليست ظلمًا لهم، وإنما ضرورة لضمان استمرارية المؤسسة.

لكن الإدارة كثيرًا ما تنظر إلى التقاعد من زاوية واحدة، وهي تحرير المناصب وخفض كتلة الرواتب، بينما يغيب سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا سيحدث للموظف بعد أن يغادر مكتبه؟

فإذا كان الموظف سيخرج إلى معاش لا يكفي احتياجاته الأساسية، فإن التقاعد يتحول من مرحلة انتقالية إلى صدمة اقتصادية. وإذا كان يعلم مسبقًا أن دخله سينخفض بصورة كبيرة، فمن الطبيعي أن يتمسك بوظيفته حتى آخر يوم تسمح به اللوائح، وربما يسعى إلى تمديدها بكل الوسائل الممكنة.

وهنا يظهر تناقض واضح في السياسات العامة. فالدولة تريد إدارة شابة ومتجددة، لكنها لا توفر في المقابل الظروف التي تجعل الموظف يغادر موقعه مطمئنًا. والنتيجة هي مقاومة طبيعية لأي حديث عن التقاعد.

بل إن الخسارة لا تقع على الموظف وحده، وإنما تمتد إلى الإدارة نفسها.

فالموظف الذي يخشى التقاعد يصبح أقل استعدادًا لنقل خبراته إلى من سيخلفه. وقد يتمسك بالمنصب لا لأنه أكثر كفاءة، بل لأنه أكثر حاجة إلى الراتب. وهكذا يتحول المنصب من وسيلة لخدمة المرفق العام إلى وسيلة لحماية الأمن الاقتصادي للأسرة.

ومن زاوية أخرى، فإن الموظف الذي يعلم أن مستقبله بعد التقاعد سيكون مجهولًا، قد يصبح أكثر ميلًا للبحث عن مصادر دخل إضافية أثناء الخدمة. ولا يعني ذلك اتهام الموظفين جميعًا بسلوكيات غير قانونية، لكنه يعني أن ضعف الأمان الاقتصادي يخلق بيئة تزيد فيها الإغراءات، وتضعف فيها مقاومة الفساد. فالإصلاح الإداري لا يبدأ فقط بالرقابة والعقوبات، بل يبدأ أيضًا بضمان مستقبل كريم لمن خدم الدولة عشرات السنين.

هناك جانب آخر يغيب عن النقاش، وهو أن التقاعد لا يعني فقط فقدان الراتب، بل فقدان الهوية الاجتماعية. ففي مجتمع ترتبط فيه المكانة بالمنصب، يجد بعض المتقاعدين أنفسهم خارج دائرة التأثير والعلاقات التي اعتادوها. لذلك لا يخسر الموظف مصدر دخله فحسب، بل يخسر جزءًا من حضوره الاجتماعي أيضًا.

وفي المقابل، نجد أن الموظف في كثير من الدول لا يخشى التقاعد، ليس لأنه أقل ارتباطًا بعمله، وإنما لأنه يثق بأن سنوات خدمته ستضمن له حياة مستقرة. فهو ينتقل من راتب إلى معاش يحفظ كرامته، ومن وظيفة إلى حياة جديدة، لا إلى معركة يومية لتدبير نفقات الأسرة.

ولعل أخطر ما في الأمر أن رفض التقاعد أصبح في موريتانيا ظاهرة شبه عامة. وعندما تتحول ظاهرة فردية إلى سلوك جماعي، فإن السبب غالبًا لا يكون في الأشخاص، بل في النظام الذي يدفعهم جميعًا إلى التصرف بالطريقة نفسها.

ومن هنا فإن إصلاح نظام التقاعد ليس قضية تخص المتقاعدين وحدهم، بل هو جزء من إصلاح الإدارة نفسها. فالإدارة التي تريد ضخ دماء جديدة عليها أن تجعل خروج الجيل السابق خروجًا كريمًا، لا خروجًا قسريًا إلى المجهول.

ولا يكفي رفع سن التقاعد أو تأخيره كلما ظهرت المشكلة؛ فذلك يؤجل الأزمة ولا يحلها. الحل الحقيقي يكمن في بناء نظام تقاعد يوفر حياة كريمة، وربط المعاشات بتكاليف المعيشة، وتشجيع الادخار والاستثمار أثناء الخدمة، وإيجاد برامج تسمح بالاستفادة من خبرات المتقاعدين في التدريب والاستشارات بدل إقصائهم نهائيًا.

إن قيمة أي دولة لا تُقاس فقط بما تمنحه لموظفيها أثناء الخدمة، بل أيضًا بما تحفظه لهم بعد أن تنتهي سنوات عطائهم. فالموظف الذي أفنى ثلاثين أو أربعين عامًا في خدمة وطنه لا ينبغي أن يشعر بأن نهاية خدمته هي بداية معاناته.

ولعل أفضل معيار للحكم على نجاح أي نظام للتقاعد هو سؤال بسيط: هل يتطلع الموظف إلى التقاعد أم يخشاه؟

إذا كانت الغالبية تخشاه، فالمشكلة ليست في الموظفين، وإنما في النظام الذي جعل نهاية الخدمة تبدو أقرب إلى خسارة منها إلى استحقاق.

إن الإدارة الحديثة لا تبنى فقط باستقطاب الشباب، وإنما تبنى أيضًا باحترام من صنعوا مؤسساتها. والتقاعد الكريم ليس منحة من الدولة، بل هو وفاء مستحق لمن أمضى عمره في خدمتها. وحين يصبح الموظف مطمئنًا إلى مستقبله بعد التقاعد، لن تقاوم الإدارة التغيير، ولن يقاوم الموظفون مغادرة مواقعهم، وستتحقق المعادلة التي تبحث عنها كل دولة: إدارة متجددة، وموظف متقاعد يعيش بكرامة.